ابن كثير

209

البداية والنهاية

إن شاء الله ، وكان مما بادر إليه عمر في هذه السنة أن بعث ( 1 ) إلى مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين وهم بأرض الروم محاصرو القسطنطينية ، وقد اشتد عليهم الحال وضاق عليهم المجال ، لأنهم عسكر كثير ، فكتب إليهم يأمرهم بالرجوع إلى الشام إلى منازلهم . وبعث إليهم بطعام كثير وخيول كثيرة عتاق ، يقال خمسمائة فرس ، ففرح الناس بذلك . وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين ، فوجه إليهم عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الأتراك ، ولم يفلت منهم إلا اليسير ، وبعث منهم أسارى ( 2 ) إلى عمر وهو بخناصرة . وقد كان المؤذنون يذكرونه بعد أذانهم باقتراب الوقت وضيقه لئلا يؤخرها كما كان يؤخرها من قبله ، لكثرة الاشتغال ، وكان ذلك عن أمره لهم بذلك والله أعلم . فروى ابن عساكر في ترجمة جرير بن عثمان الرحبي الحمصي قال : رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلمون عليه في الصلاة : السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، حي على الصلاة حي على الفلاح ، الصلاة قد قاربت . وفي هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلب عن إمرة العراق وبعث عدي بن أرطاة الفزاري على إمرة البصرة ، فاستقضى عليها الحسن البصري ، ثم استعفاه فأعفاه ، واستقضى مكانه إياس بن معاوية الذكي المشهور ، وبعث على إمرة الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ، وضم إليه أبا الزناد كاتبا بين يديه ، واستقضى عليها عامرا الشعبي . قال الواقدي : فلم يزل قاضيا عليها مدة خلافة عمر بن عبد العزيز ، وجعل على إمرة خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي ، وكان نائب مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ، وعلى إمرة المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وهو الذي حج بالناس في هذه السنة ، وعزل عن إمرة مصر عبد الملك بن أبي وداعة وولى عليها أيوب بن شرحبيل ، وجعل الفتيا إلى جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر ، فهؤلاء الذين كانوا يفتون الناس ، واستعمل على إفريقية وبلاد المغرب إسماعيل بن عبد الله المخزومي ، وكان حسن السيرة ، وأسلم في ولايته على بلاد المغرب خلق كثير من البرير والله سبحانه وتعالى أعلم . وممن توفي فيها من الأعيان : الحسن بن محمد بن الحنفية تابعي جليل ، يقال إنه أول من تكلم في الارجاء ، وقد تقدم أن أبا عبيد قال : توفي في سنة خمس وتسعين . وذكر خليفة أنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز ، وذكر شيخنا الذهبي في الاعلام أنه توفي هذا العام ، والله أعلم .

--> ( 1 ) انظر كتاب عمر بن عبد العزيز إلى مسلمة في فتوح ابن الأعثم 7 / 308 . ( 2 ) في الطبري 8 / 130 وابن الأثير 5 / 43 : خمسين أسيرا .